الأداء المميز للرياضيين: بين الإلهام والجهد

يقول توماس اديسون أن “العبقرية هي عبارة عن 1٪ من الإلهام و 99٪ من الجهد”، وهذا يعني أن الذكاء لا يلعب سوى دور بسيط في نجاحاتنا في حين أن الإجتهاد هو القوة الدافعة الحقيقية التي تقف وراء النجاح، ولكن هل هذا صحيح حقا؟ ما هو دور جيناتنا في جعلنا ما  نحن عليه ؟

تطرح تلك الاقوال قضايا متنوعة، لكن في لُبِّها تكمُن فكرتان متناقضتان حول متطلبات النجاح. فمن منظور البعض، الأمر كله يتعلق بالطبيعة؛ بأن الجينات هي التي تحدد النجاح. وبالنسبة للبعض الآخر، التنشئة هي العامل الأساسي، فأي شخص يستطيع النجاح متى مُنح فرصة. إذن أيٌّ من هاتين الفكرتين أقرب إلى الواقع؟

غنيٌّ عن القول أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ تلعب الجينات التي يرثها الناس دورًا مهمًّا، لكن دور بيئتهم لا يقل أهمية. فحتى حاصل الذكاء — الذي يقيس معدل الذكاء الفطري كما يزعم الباحثون — قد تغيره تنشئة الفرد؛ مما يعني وجود الكثير مما يمكن فعله لزيادة نجاح الأفراد.

تَعزَّز هذا الجدل الدائر حول النجاح بدراسة حديثة على التوائم، أجراها روبرت بلومن من كلية كينجز كوليدج لندن، وكشفت أن الاختلافات في أداء الأطفال الأكاديمي في مدارس المملكة المتحدة يرجع إلى سمات موروثة أكثر مما يرجع إلى التدريس أو غير ذلك من العوامل البيئية. وهي نتائج لا ينبغي أن تدهشنا كثيرًا؛ لأننا شبه متيقنين من اعتماد قاسم كبير من الذكاء على الجينات، ومن تفوق الأطفال الأذكياء عادةً في المدارس.

فمن المفهوم إلى حد ما أن الجينات لدينا يمكن أن تجعلنا أكثر طولا وأكبر أو إعطاء الدماغ لدينا “حافز اضافي” أن يجعلنا أكثر ذكاء ولكن هل يمكن أن يجعلنا أقوى وأسرع وأكثر ديمومة؟ إن النخب الرياضية على سبيل المثال لديهم استعداد وراثي فريد من نوعه لأدائهم المميز؟ ولكن من الملاحظ  كيف أن بعض الرياضات تنتشر في مناطق جغرافية معينة! هل هي الثقافة التي تجعل فنون الدفاع عن النفس شعبية بين دول شرق آسيا، أو هي الجينات المسؤولة عن صنع العدائين الأفارقة. فالعدائين الكينيين الذين فازوا في معظم مسابقات المسافات الطويلة في العقدين الماضيين هو مثال جيد للتفاعلات بين الجينات والثقافة / البيئة مع ممارستهم الصارمة للجري على علو مرتفع منذ الطفولة ولم يتحدد بعد الاستعداد الوراثي الفريد.

مع ذلك، لا يقتصر النجاح على قدرات المرء الفطرية وعلى الترعرع في بيئة تساعده على استغلالها فحسب؛ إذ يقول العالم النفسي كيه أندرس إريكسون — الأستاذ بجامعة فلوريدا الحكومية في مدينة تالاهاسي: «لا يبدو أن القدرة المعرفية والذكاء يتنبآن بالاختلافات الفردية في الأداء بين الأفراد الماهرين ذوي الخبرة.» فيزعم مع آخرين أن إنجازات النخبة في كثير من المجالات — من بينها الموسيقى والألعاب الرياضية إلى جانب الشطرنج، وغير ذلك من الأنشطة التي تستلزم استخدام الذاكرة — ترجع إلى التدريب المركَّز أكثر بكثير من الموهبة الفطرية.

نحن نعلم جميعا أن ممارسة الرياضة يمكن أن تجعلنا أفضل في الألعاب الرياضية، ولكن هل هناك حقا دليل علمي للاستعداد الوراثي؟ تشير الأدلة في وقت مبكر من الدراسات عن التوأم المتعدد التي جرت قبل 10 أعوام ممارسة الرياضة  أمر وراثي و يصل ذلك إلى 70٪. وأشارت هذه البيانات إلى أن الجينات تلعب دورا هاما في خيار الشخص في ممارسة الرياضة، مع عدم إستبعاد عامل البيئة في تجربة التوائم “. وجاء الدليل في وقت لاحق من الدراسات التي تشير الي دور االجينات في الأداء البدني. ومن بين هذه الجينات المرشحة، لا يزال أكتين 3  الذي يؤدي إلى استقرار جهاز مقلص العضلات هو الجين الوحيد الذي يظهر علاقة وثيقة ومتناسقة عبر دراسات متعددة. إن الطفرة في جين أكتن 3 مع انتشار 10٪ لدي الأفارقة، وتصل إلى 50٪ لدي القوقاز يؤدي إلى انخفاض القدرة على ممارسة الرياضات التي تحتاج الي طاقة (الركض على سبيل المثال)، ولكن يحتمل أن يحسن أداء رياضات التحمل مثل الماراثون. لكن هذه الدراسات تعاني من صغر حجمها، وعدم وجود تفسير آلي، ويمكن أن تفسر فقط نسبة صغيرة من الظواهر.

من أجل معالجة بعض هذه القضايا، فان مختبر مكافحة المنشطات في قطر بصدد إجراء أول دراسة عل نطاق واسع حول المتغيرات الجينية المشتركة في مختلف الأفراد لمعرفة ما إذا كان يرتبط أي متغير مع سمة معينة مثل الأمراض الخطيرة (GWAS) لنخبة من الرياضيين المشاركين في الفعاليات التنافسية الوطنية والدولية جنبا إلى جنب مع الأنماط الظاهرية لوظائف التمثيل الغذائي لديهم. يهدف هذا المشروع الذي يستغرق ثلاث سنوات وبتمويل من صندوق القطري للبحث العلمي، الي تحديد الاستعداد الوراثي للأداء الفائق للرياضيين (القوة مقابل التحمل) والاختبار الوظيفي للمتغيرات الجينية التي تم تحديدها. والهدف النهائي هو المقدرة علي تمهيد الطريق لتطوير طرق الفحص لتحديد النخب الرياضية في سن الشباب والاستثمار في قدراتهم على أفضل وجه وتحقيق أقصى إمكاناتهم ليصبحوا من النخب الرياضية (نهج المنشطات الإيجابي).

 

F_635772375217652987

هــــــــــــــــــــــوازن حامد

اترك تعليقاً